الشيخ محمد رشيد رضا
9
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
اليه قلوب الذين لا يؤمنون بالآخرة لموافقته لأهوائهم ( وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُوا ما هُمْ مُقْتَرِفُونَ ) أي وليترتب عليه أيضا أن يرضوه من غير بحث في صحته وعدمها وان يقترفوا بتفسيره ما هم مقترفوه من المعاصي والآثام بغرورهم به ورضاهم عنه . اقترف المال اكتسبه ، والذنب اجترحه ، وصرح باللام في هذه الجمل دون الغرور لان الغرور من فعل الموحين وهذه الأفعال ليست منه وانما هي مما يترتب عليه من أفعال المغترين به لاستعدادهم له وهم الذين لا يؤمنون بالآخرة ، فإنهم هم الذين لا يهمهم من حياتهم ، الا اتباع أهوائهم وارضاء شهواتهم . وقد غفل بعض المفسرين عن الفرق بين فعل الغر والغرور وبين ما يترتب عليه من أفعال المغترين به فظن أن تفسير الكلام هكذا يكون من عطف الشيء على نفسه وانما هو بمعنى زيد غر عمرا فاغتر وهذه اللام هي التي تسمى لام العاقبة والصيرورة قطعا ومن مباحث البلاغة نكتة الفرق بين قوله تعالى في الآية ( 111 ) من هذه الآيات ( وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ ما فَعَلُوهُ ) وقوله في الآية ( 106 ) من آيات قبلها في السورة ( وَلَوْ شاءَ اللَّهُ ما أَشْرَكُوا ) وهي أن المشيئة أسندت إلى اسم الجلالة في مقام اظهار الحقائق في شؤون المشركين وما يجب على الرسول وما ليس له ، وأسندت إلى اسم الرب مضافا إلى الرسول في مقام تسليته وبيان سنته تعالى في أعداء الرسل قبله فكأنه يقول : هذا ما اقتضته مشيئة ربك الكافل لك بحسنى تربيته وعنايته نصرك على أعدائك وجعل العاقبة لك ولمن اتبعك من المؤمنين كما تقدم آنفا في تفسير الجملة والحمد للّه ملهم الصواب . * * * ( 113 ) أَ فَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَماً وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتابَ مُفَصَّلًا ؟ وَالَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ ( 114 ) وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقاً وَعَدْلًا لا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ « تفسير الآن الحكيم » « 2 » « الجزء الثامن »